عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
178
اللباب في علوم الكتاب
أنا ولا معرفة لي أظهر من نفسي فيقال : إنّا نحن معروفون بأوصاف الكمال ، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا ينكر قدرتنا على إحياء الموتى . والثاني : أن الخبر « نحيي » كأنه قال : « إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى » و « نحن » يكون تأكيدا . وفي قوله : « إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى » إشارة إلى الوحيد ؛ لأن الإشراك يوجب التمييز ، فإن « زيدا » إذا شاركه غيره في الاسم ، فلو قال : « أنا زيد » لا يحصل التعريف التام ، ( لأن ) « 1 » للسامع أن يقول : أيّما زيد ؟ فيقول : ابن عمرو ، ( ولو « 2 » كان هناك زيد آخر أبو عمرو لا يكفي قوله : ابن عمرو ) فلما قال اللّه : « إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى » أي ليس غيرنا أحد يشركنا حتى يقول : أنا كذا فيمتاز ، وحينئذ تصير الأصول « 3 » الثلاثة مذكورة : الرسالة والتوحيد والحشر « 4 » . قوله : « وَنَكْتُبُ » العامة على بنائه للفاعل ، فيكون « ما قَدَّمُوا » مفعولا به و « آثارهم » عطف عليه . وزرّ ومسروق قرآه مبنيا للمفعول ، و « آثارهم » « 5 » بالرفع عطفا على « ما قدّموا » لقيامه مقام الفاعل « 6 » . فصل [ في معنى قوله : « وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ » ] المعنى ما قدموا وأخروا ، فاكتفي بأحدهما ، لدلالته على الآخر كقوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] أي والبرد . وقيل : المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة ، كقوله تعالى : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ « 7 » أي بما قدمت في الوجود وأوجدته . وقيل : نكتب نيّاتهم فإنها قبل الأعمال و « آثارهم » أي أعمالهم . وفي « آثارهم » وجوه : أحدها : ما سنوا من سنة حسنة وسيئة . فالحسنة كالكتب المصنّفة والقناطر المبنية ، والسيئة كالظّلامة « 8 » المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة . قال - عليه
--> ( 1 و 2 ) ما بين الأقواس ساقط من ( بوأ ) وتكملة من الرازي . ( 3 ) في « ب » الأمور . ( 4 ) وانظر في هذا كله تفسير الفخر الرازي 26 / 48 و 49 . ( 5 ) في « ب » وآباؤهم تحريف . ( 6 ) من القراءات الشاذة ذكرها ابن خالويه في المختصر 124 وابن الجوزي في زاد المسير 7 / 8 منسوبة إلى إبراهيم النخعيّ والجحدريّ وذكرها في الكشاف دون نسبة . الكشاف 3 / 317 . ( 7 ) الآية 95 من سورة « البقرة » و 62 من سورة « النساء » و 47 من سورة « القصص » و 48 من سورة « الشورى » و 7 من سورة « الجمعة » . وقد ذكر هذه الآراء الثلاثة الفخر الرازي في تفسيره 26 / 49 ورجح الفراء والزجاج في معانيهما الرأي الثاني . انظر معاني الفراء 2 / 373 والزجاج 4 / 281 والكشاف 3 / 316 . ( 8 ) كذا في « ب » والرازي وفي « أ » كالطلابات . واختار هذا الرأي ابن عباس وابن جبير والفراء وابن قتيبة والزجاج . انظر زاد المسير 7 / 9 .